الشيخ محمد رشيد رضا
39
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
المادي ، فإذا مات المرء وخرجت روحه فإنما تخرج بالجسم الأثيري وتبقى معه وهو جسم لا يتغير ولا يتبدل ولا يتحلل . وأما هذا الجسم المحسوس فإنه يتحلل ويتبدل في كل بضع سنين . قال ويقرب هذا القول من مذهب المالكية فقد روي عن مالك رحمه اللّه تعالى أنه قال : ان الروح صورة كالجسد . أي لها صورة وما الصورة إلا عرض ، وجوهر هذا العرض هو الذي سماه العلماء بالأثير وإذا كان من خواص الأثير النفوذ في الأجسام اللطيفة والكثيفة كما يقولون حتى أنه هو الذي ينقل النور من الشمس إلى طبقة الهواء فلا مانع أن تتعلق به الروح المطلقة في الآخرة ثم هو يحل بها جسما آخر تنعم به وترزق سواء كان جسم طير أو غيره . وقد قال تعالى في آية أخرى ( أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) وهذا القول يقرب معنى الآية من العلم . والمعتمد عند الأستاذ الامام في هذه الحياة هو انها حياة غيبية تمتاز بها أرواح الشهداء على سائر أرواح الناس ، بها يرزقون وينعمون ، ولكننا لا نعرف حقيقتها ولا حقيقة الرزق الذي يكون بها ، ولا نبحث عن ذلك لأنه من عالم الغيب الذي نؤمن به ونفوض الامر فيه إلى اللّه تعالى ذكر اللّه تعالى فضل الشهادة التي استهدف لها المؤمنون في سبيل الدعوة إلى الحق والدفاع عنه ، ثم ذكر مجموع المصائب التي يبلوهم ويمتحنهم بها وهذه لا تنافي ما وعدهم به من نعم الدنيا فقال * * * وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ اي ولنمتحننكم ببعض ضروب الخوف من الأعداء وغيره من المصائب البشرية المعتادة في المعايش ، وأكد هذا بصيغة القسم لتوطين الأنفس عليه فعلمهم به أن مجرد الانتساب إلى الايمان ، لا يقتضي سعة الرزق وقوة السلطان ، وانتفاء المخاوف والأحزان ، بل يجري ذلك بسنن اللّه تعالى في الخلق كما أن من سنن الخلق وقوع المصائب بأسبابها . وإنما المؤمن الموفق من يستفيد من مجاري الاقدار ، إذ يتربى ويتأدب بمقاومة الشدائد والاخطار ، ومن لم تعلمه الحوادث ، وتهذبه الكوارث ، فهو جاهل بهدي الدين ، متبع غير سبيل المؤمنين ، غير معتبر بقوله تعالى بعد ذكر هذا البلاء المبين